عقاب الرذيلة أفضل من اثابة الفضيلة، ذلك بان الفضيلة تحمل جزاءها في ذاتها، أما الرذيلة فهي في اشد الحاجة الى العقاب، لا يجوز ان تنزل الرذيلة مسلحة الى الفضيلة وهي عزلاء، بل يجب حتى تنهزم الرذيلة ان تتسلح الفضيلة.
(السنهوري الاسكندرية 31 يوليو 1954)
في عام 1925 أنهى العلامة السنهوري بحثه في رسالته للدكتوراه في القانون الا انه استمر في البقاء في فرنسا قاصدا تقديم بحث آخر حول (فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية) ونال عنه شهادة دكتوراه ثانية في الفقه المقارن، لقد كان لهذا البحث دافع وهدف مختلفين عن البحث الأول مما دعاه الى تأجيل عودته الى مصر لمدة عام تقريبا الى ان أتم انجاز هذا البحث عام 1926، ولقد اثنى الفقيه ادوار لاميير في مقدمة هذا البحث على تلميذه السنهوري بقوله (انني لم أكن أتوقع لباحث مبتدئ نجاحا.....، اذ اختار بحثه أستاذ في مستوى «البروفسور هوريو» لكي يكون نقطة انطلاق نحو نظرية جديدة في علم الاجتماع التشريعي).
وأما عن الدافع فقد بينه العلامة السنهوري رحمه الله في بحثه تحت عنوان (رأي شاذ) بقوله لاحظنا ان مؤلفا معاصرا، هو الشيخ على عبدالرازق في كتابه (الخلافة وأصول الحكم)، قد اخذ برأي الخوارج، بعد ان أيده بحجج مستحدثة براقة، ولكنها في نظرنا مشكوك في متانتها، فقد بنى هذا المؤلف نظريته على فكرتين أساسيتين -1 لا سند لوجوب الخلافة في العقل ولا في الشرع -2 ان الاسلام نظام ديني بحت لا شأن له بالحكم).
وأما الهدف من هذا البحث هو اقتراح انشاء منظمة دولية شرقية (اسلامية) فقد لخصها في العبارة التالية «أن نهضة الشرق تعني نهضة الاسلام (العالم الاسلامي) دون شك، باعتباره احدى حضارات الشرق التاريخية، انه يمثل احدى تلك الحضارات التي تحمل الطابع التقليدي للعبقرية الشرقية».
أصدر علي عبدالرازق (كتاب الاسلام وأصول الحكم) عام 1925 الذي يدعو الى فصل الدين عن السياسة، فقام بإهداء نسخة من كتابه الى صديقه الدكتور محمد حسين هيكل رئيس تحرير جريدة «السياسة» لسان حال حزب الأحرار الدستوريين المعروف بولائه للمستعمر الانجليزي، وكانت أسرة المؤلف من قادة الحزب ورجاله المبرزين فأعلنت الجريدة في 24 مايو 1925 عن صدور الكتاب وجهود الشيخ علي عبدالرازق المبذولة فيه.
عندئذ كتب العلامة (الخلافة وأصول الحكم)، فقد تولى الرد على مؤلف هذا الكتاب بمنجية مغايرة فند فيها الانحرافات والأخطاء التي وقع بها علي عبدالرازق وشرح ذلك يطول، كما ان العلامة السنهوري لما عاد الى مصر نشر مقالا في العدد الأول من مجلة المحاماة الشرعية تحت عنوان (الدين والدولة في الاسلام) قال فيها «يمتاز الاسلام بأنه دين ودولة، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم لا لتأسيس دين فحسب، بل لبناء قاعدة دولة تتناول شؤون الدنيا، وهو بهذا الاعتبار مؤسس الحكومة الاسلامية كما انه نبي المسلمين، وهو بصفة كونه مؤسس حكومة كانت له الولاية على كل من كان خاضعا لهذه الحكومة سواء كان مسلما أو غير مسلم، وبوصف كونه نبيا لم يطلب من غير المسلمين الذي تركهم على دينهم الاعتراف بنبوته، ولو ان دعوته عامة وشاملة..».
وكتب آخرون عن كتاب علي عبدالرازق فقد قال الشيخ محمد رشيد رضا في جريدتي اللواء المصري والأخبار «أول ما يقال في وصف هذا الكتاب لا في الرد عليه أنه هدم لحكم الاسلام وشرعه من أساسه وتفريق لجماعته واباحة مطلقة لعصيان الله ورسوله في جميع الأحكام الشرعية الدنيوية من أحكام شخصية وسياسية ومدنية وجنائية وتجهيل للمسلمين كافة، واننا سنرد على جميع أبوابه وفصوله ردّا مفصلا، ولكننا لا نقول في شخص صاحبه شيئا فحسابه على الله تعالى، وانما نقول انه لا يجوز لمشيحة الأزهر ان تسكت عنه فان هذا المؤلف الجديد رجل منهم فيجب عليهم ان يعلنوا حكم الاسلام في كتابه لئلا يقول هو وأنصاره ان سكوتهم عنه اجازة له أو عجز عن الرد عليه». وحين سُئل سعد زغلول عن رأيه في كتاب على عبدالرازق قال «لقد قرأته بامعان لأعرف مبلغ الحملات عليه من الخطأ والصواب فعجبت أولا كيف يكتب عالم ديني بهذا الأسلوب في مثل هذا الموضوع؟! وقد قرأت كثيرا للمستشرقين ولسواهم فما وجدت ممن طعن منهم في الاسلام حدة كهذه الحدة في التعبير على نحو ما كتب الشيخ علي عبدالرازق». وأما الأزهر فقد قام بالتحقيق مع المؤلف واصدر ردا على ما جاء بكتاب المؤلف ثم سحب منه شهادة العالمية.
الخلاصة، لقد اجتمع في عام 1926 أعظم مفكري الأمة للرد على كتاب علي عبدالرازق فردوا عليه ردا لا يعذر به جاهل، سواء من علماء الأزهر أو أصحاب الفكر الاسلامي المستقل ومنهم السنهوري برسالة الدكتوراه التي اشرنا لها من جامعة ليون بفرنسا والتي كان دافعها الرد على هذا الكتاب، وخلاصة هذا الرد المجمل كما يقول السنهوري «أن نهضة الشرق تعني نهضة الاسلام (العالم الاسلامي) دون شك».
وبعد ثمانين سنة من تلك المعركة المحسومة لصالح الاسلام دعا مركز دراسات الخليج في الجامعة الأمريكية في الكويت لمحاضرة في يوم 2009/12/1 بعنوان «الاسلام والعلمانية» للدكتورة سعاد علي الأستاذة بجامعة أريزونا ستايت في الولايات المتحدة، وتعرضت المحاضرة الى ما كتبه علي عبدالرازق الذي أصدرها في كتابه «الاسلام وأصول الحكم»..؟
أليس من الأولى دراسة رسالة العلامة السنهوري لنيل الدكتوراه حول (فقه الخلافة)، أم ان معركة الاسلام ضد التخلف والعلمنة والتغريب مستمرة منذ قرن.
في المقال القادم سوف نتطرق الى دور العلامة السنهوري في الرد على دعاة العلمانية. الوطن : 8/3/2010